.
 BREFAC NEWS
أحوال الإمام مالك.. الفراسة والنباهة -الحلقة8

الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء

المشتغل بالدين يجب في حقه لزوما أن يكون نبيها ذكيا، فإن علوم الشريعة بالإضافة إلى كونها معارف وسلوكات تراد له، فهي تربية على الفطنة لما اشتملت عليه الآيات الكثيرة بطلبها أن يكون المسلم من أولي الألباب.

وكان الإمام مالك لا يتجنب أعطيات الخلفاء، ولم يكن حريصا عليها في ذات الوقت، ولا طالبا إياها من باب أولى. فإذا سلمت له أو أرسلت إليه من غير حرص أو طلب أو لهفة عليها، أخذها وصرفها فيما يراه شرعا وجوب الصرف.

وكانت كثيرا ما ترسل إليه، قال مصعب الزبيري: “لما دخلت على أبي جعفر المنصور، قال لي: وذكر قصته معه في حمل الناس على كتبه.. قال مالك: ثم خرجت، فتبعتني صلته” (ترتيب المدارك).

ونظره في الأخذ أنه إنما أخذ من بيت مال المسلمين، وله فيه حق ونصيب من جهة، ثم هو يوظفه في مصالح المسلمين؛ من طلبة علم ومحتاجين من جهة ثانية، ويوظفه فيما أفرغ له نفسه من نشر العلم وبثه وصناعة العلماء ثالثا. وكل ذلك عنده مهما كان لا يقدر بثمن. فإن تسلم مالك العطية على الصفة المرضية، لم ير رحمه لله تعالى بأسا في ذلك. وأما إن كانت من أجل أن يغير بها رأيه، أو يفتي على غير ما يعتقده، أو يصيره إلى التصرف على ما يأباه، فهي عنده رشوة وسحت، حقيقٌ به وبغيره من أهل العلم أن لا يترددوا في رفضها، والجهر بذلك إن تعين، وأن يبقى التكلم بالحق، والثبات على المبادئ عاصما لا يتخلى عنه لرغبة أو رهبة.

وكان من فراسته أن يتنبه إلى أنواع العطايا، وأن منها ما كانت ساذجة لا شيء من المطلوب وراءها، ومنها ما تكون مقدمة لما سيأتي أو مقدمة لما يعتقد المعطي أنها سبب لنيل مراده. فإن شم رائحة الرشوة من العطية فقد كان لا يقربها، ويأمر أهل البيت بالإبقاء عليها على حالها بعد أخذها، حتى يستيقن من فراسته، فيري المعطي أن فراسة العالم تضن عليه أن يقع مواقع الشبهات.

ومن هذا الباب، ما حكاه حسين بن عروة قال: لما قدم المهدي المدينة، بعث إلى مالك بألفي دينار أو بثلاثة آلاف دينار مع الربيع، فلما خرج من عنده، قال: يا جارية، لا تمسي هذا المال فإني قد تفرست حين نظرت وجه الربيع ورأيت فيه أمراً منكراً. ولهذا المال سبب فلما حج المهدي وقدم المدينة أتاه الربيع بعد ذلك، فقال له: أمير المؤمنين يقرؤك السلام، ويحب أن تعادله إلى مدينة السلام (أي أن تكون بجنبه في بغداد). فقال مالك: أقرئ أمير المؤمنين السلام، وقل له: قال رسول لله صلى لله عليه وسلم: “والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون”، والمال عندي على حاله. أخرجيه يا جارية، أخرجيه. فأبى الربيع أن يقبله. فلم يزل به مالك حتى أخذه. فأتى الربيع المهدي فغمه رد المال.. (ترتيب المدارك).

وقد بلغ من معرفة الأكابر بالنفوس الضعيفة، وأن كل شيء يشترى، ولم يتنبهوا إلى إباء الفضلاء الشامخين بعزة الإيمان أن يقبلوا البيع والشراء إذ باعوا أنفسهم وعلمهم لله تعالى.

بلغ بالأكابر أن من استطاعوا ثنيه تخويفا لم يترددوا معه من هذا الباب، ومن لم ينفع معه الترهيب أطمعوه في الدنيا. وقد قيل لأحدهم في هذا العصر: إن العالم فلانا لا يقبل أن يقول برأينا ويرفض بشديد الرفض. فرد عليهم: دفتر الشيك يأتي به. وإنما كانت خلاصته هكذا، لما تبين له من تسابق كثير من المعدودين على العلم الشرعي على المال والحياة، يستبدلون الأدنى بالذي هو خير.

Publié le 15/05/2019
Alyaoum 24 / سياسة
Pays: Maroc
Web: www.alyaoum24.com
Ajuster la taille du texte Augmenter la taille de la police Diminuer la taille de la police
Partagez cet article sur